فخر الدين الرازي
55
النبوات وما يتعلق بها
روى البخاري عن هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة - رضى اللّه عنها - قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سحر ، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن . قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر . إذا كان كذا . فقال يا عائشة : أعلمت أن اللّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ أتاني رجلان فقعدا أحدهما عند رأسي ، والآخر عند رجلي . فقال الّذي عند رأسي للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم - رجل من بنى زريق ، حليف اليهود - كان منافقا . قال : وفيم ؟ قال : في مشط ومشاطة قال وأين ؟ قال : في جف طلعة ذكر ، تحت رعوفة في بئر زروان . قالت : فأتى البئر حتى استخرجه . فقال : ( هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء ، وكأن نخلها رؤوس الشياطين ) قال : فاستخرج ، فقلت : أفلا تنشرت ؟ فقال : ( أما اللّه فقد شفاني ، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا ) . أن هذا الحديث الّذي رواه البخاري « 1 » يبدو عليه أثر صنعه الراوي . ولو سلمنا بصحته - وما هو بصحيح - لجوزنا الشك في القرآن ، ولرفعنا الثقة من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم لاحتمال : أن بعض ما نطق به من القرآن من تأثير السحر عليه في حال فقدان اتزان العقل . وكيف يصح ذلك ؟ واللّه قد حكى عنه ما نصه : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » [ المائدة 67 ] ومن يعصمه اللّه تعالى لا يضره أحد لا بالسحر - ان كان له ضرر - ولا بغير السحر . ولو سلمنا بصحة الحديث - وما هو بصحيح - لكنا مصدقين للكفار في دعواهم التي حكاها القرآن عنهم وهي : « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً » [ الفرقان 9 ] أي به خبال من صرع الشياطين . ولو سلمنا بصحة الحديث - وما هو بصحيح - لكان للشياطين استيلاء وتحكم على الأبرار والأشرار معا ، - ولكان النبي وهو القدوة في محاسن الفعال غير معصوم من الشيطان . وإذا كان النبي غير معصوم فكيف يمتنع على الشيطان عوام المسلمين ؟ كيف يكون ذلك ؟ واللّه تعالى يقول للشيطان : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ » [ الحجر 42 ] ومعلوم أن للشيطان ذرية ، وهم يتناسلون
--> ( 1 ) انظر ما كتبه الامام الشيخ محمد عبده في تفسير جزء عم ص 181 وما بعدها .